لجنة دستورية في ظل احتلال تركي

فشلت اللجنة الدستورية السورية المصغرة في جنيف في عقد اجتماعات الجولة الثانية، وذلك بسبب خلافات المشاركين فيها حول أجندات عملها. مع العلم أن تشكيل اللجنة بالأساس كانت من قبل الدول الثلاث “الضامنة” لعملية أستانة التي تعمل على تحقيق مصالحها وهي روسيا وتركيا وإيران، ووُصفت السياسة المتبعة من قبل الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى سوريا “غير بيدرسن” الذي يقود اجتماعات اللجنة الدستورية بأنها لا تخدم حل الأزمة السورية، بل تعقّد الصراعات الدائرة على الأرض السورية.
وفي نظرة للجنة الدستورية المشكلة نجدها بعيدة كل البعد عن التمثيل الحقيقي للشعب السوري وتخضع لحسابات ومصالح دولية وإقليمية، وهي تراهن على إخراج تفاهم دستوري يمهد لحل سياسي يرسخ نفوذ تلك الدول وسيطرتها لعقود من الزمن، دون النظر إلى مصالح الشعب السوري وتطلعاته. وإقصاء القوى الديمقراطية الموجودة على الأرض كمجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، سياسة متفق عليها فيما بين الدول المعنية بالأزمة السورية، إرضاءً لتركيا ولمجاميعها الإخوانية المتطرفة. وبالتالي يتم فرض هذه التوافقات السياسية المنحازة على الأمم المتحدة.
وبطلب من تركيا، غُيبت الإدارة الذاتية عن هذه اللجنة الدستورية، رغم إدارتها لمناطق واسعة في شمال وشرق سوريا، كما لم تـُدعَ للمشاركة في أيٍّ من محادثات جنيف أو أستانة. وبالتالي إن السياسة التي تتبعها الأمم المتحدة ومكتب مبعوثها إلى سوريا، تخدم الأهداف التركية الرامية إلى تدمير المشروع الديمقراطي المتمثل بالإدارة الذاتية، وتصفية ما يسمى “المعارضة السورية” وتحويلها إلى أداة لتنفيذ المخططات التركية. وهذا يعني أن هناك انحياز واضح وازدواجية المعايير لدى المنظمات الأممية التي تتعامل بجزئية مع الأزمة السورية من حيث القوى والجغرافية.
بالفعل، إنها إحدى فصول مسرحية هزلية، رسالتها إيهام السوريين بكتابة دستور ديمقراطي لهم، وتتصدر بطولتها الأمم المتحدة، مروراً بالدول الضامنة، وانتهاءً بالأطراف المشاركة فيها، ومن تلك الأطراف من يرحب بالاحتلال التركي لسوريا. إن كتابة دستور وسط التغاضي والصمت عن كل ما يحصل من ممارسات على الأرض يعتبر بمثابة شرعنة للاحتلال التركي وفرض واقع التقسيم، وكذلك تجاهل لحالة الإرهاب المتعددة التسميات والولاءات، لتكون النتيجة تأزيم الحل السوري.
كما لم يتطور موقف الأمم المتحدة تجاه الكارثة الإنسانية التي نجمت عن العدوان التركي، وعمليات الإبادة والمجازر بحق شعوب شمال شرق سوريا، والتي أشهر عن مخططها رئيس النظام التركي في مقر الأمم المتحدة. وبات ضرورياً مراجعة الأمم المتحدة ومبعوثها إلى سوريا “غير بيدرسن” للمنهجية السياسية المتبعة التي تعمل على تنفّيذ أجندة دول محددة، إذ كان من الأفضل لها قبل الحديث عن الدستور السوري، العمل على ايقاف العدوان التركي والقضاء على الإرهاب.
وفي ظل الانتهاكات اليومية للدستور والسيادة، واحتلال تركيا أجزاء من سوريا تحت ستار ما سمتها “منطقة آمنة”، وكذلك تغييب لإرادة ما يزيد عن خمسة ملايين مواطن في مناطق (الإدارة الذاتية). وانطلاقاً من هذه الحقائق، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف سيتم صياغة أو إعادة كتابة دستور يخدم تطلعات الشعب السوري؟

الكاتب:اسماعيل خضر

قد يعجبك ايضا