العدوان التركي والثمن الباهظ

إثر مكالمة هاتفية مع رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان في السادس من الشهر الحالي، توالت سلسلة المواقف المتناقضة التي أطلقها رئيس الإدارة الأمريكية دونالد ترامب عبر “تويتر”، حول قرار الإنسحاب من شمال شرقي سوريا، الذي اعتبر بمثابة ضوء أخضر لعدوان عسكري تركي ضد قوات سوريا الديمقراطية التي قدمت أكثر من 11 ألف شهيد دفاعاً عن المنطقة والعالم ضد تنظيم “داعش” الإرهابي وأخواتها، وتضمنت تصريحاته أيضاً التهويل بفرض عقوبات قاسية على تركيا، وكأن ترامب يمهد لمرحلة جديدة في المنطقة برمتها.
وعلى الرغم من تأكيد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مراراً وتكراراً على تعاونها التام لتحقيق الاستقرار وذلك من خلال الآلية الأمنية لحماية الحدود مع تركيا، واستعدادها الدائم للحوار والحل السياسي لكافة قضايا المنطقة، واتخذت خطوات عملية في ذلك، إلا أن عدوان الدولة التركية كشف عن أهدافها الفاشية والعنصرية والتوسعية في شمال شرق سوريا.
تسعى تركيا من خلال عدوانها كمرحلة أولى إلى احتلال المنطقة الواقعة بين رأس العين (سري كانيه) وتل أبيض (كري سبي) وبعمق 30 كم، بهدف عزل وتقسيم مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، وإجراء تغيير ديمغرافي وتطبيق سياسة التتريك في تلك المنطقة، وخلق اقتتال داخلي بين مكونات المنطقة. والهدف الاستراتيجي لتركيا من وراء ذلك هو أبعد من قضية ما تسميها “المنطقة الآمنة”؛ ألا وهو إسقاط المشروع الديمقراطي في المنطقة المتمثل بالإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا.
وفي الواقع، يتعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغوط حتى من أقرب حلفائه السياسيين سواء في الكونغرس الأميركي أو العسكريين في البنتاغون أو من حلفاء واشنطن الخارجيين، الذين وصفوا قرار الانسحاب “بالمتهور” في ظل التهديدات التركية بالعدوان على مناطق حلفائهم في سوريا،
وقد أسرع العدوان التركي على المنطقة من التوصل لتفاهم بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية بضمانة روسيا، وهو تفاهم عسكري يسمح للجيش السوري بالانتشار على كامل الشريط الحدودي مع تركيا، وهو ما قلب الطاولة على رأس أردوغان وخلط أوراقه في المنطقة.
وفي مؤشر على إدراك أردوغان وشعوره بخطر حقيقي يهدد مستقبله السياسي ومعه تركيا برمتها، سارع معلناً بأن “العملية العسكرية تحقق أهدافها، وبأنها بدأت بالسيطرة على مساحة جغرافية كبيرة في المناطق الممتدة بين رأس العين (سري كانيه) وتل أبيض (كري سبي) في شمال وشرق سوريا.
وفي الحقيقة، إن الادعاء بالسيطرة على تلك المناطق غير صحيح، فما تزال المقاومة مستمرة، وخصوصاً في مدينة رأس العين (سري كانيه) في ظل الاستهداف التركي للمدنيين واستخدامها كافة صنوف الأسلحة بما فيها الطيران والمحرمة دولياً على المدينة.
وإذا كان الحال هكذا، فما هو الثمن الذي قد يدفعه أردوغان جراء عدوانه على المنطقة؟
هناك من يعتبر أن الانسحاب الأمريكي من مناطق شمال وشرق سوريا قد يكون الهدف من وراء ذلك تسليم إدارة الملف السوري بالكامل إلى روسيا، لكنه قد يغرق اللاعبين الآخرين، وعلى رأسهم تركيا التي تعاني من مآزق سياسية، وبالتاليي قد تكون نتائجها السلبية على تركيا كبيرة، خلاف ما يعتقده أردوغان. فالقلق الدولي بات واضحاً من عواقب كارثة إنسانية في المنطقة، فضلاً عن التأثير السلبي للعدوان على جهود محاربة الارهاب.
وعليه فأن أردوغان الغير المهيّأ لهذه المجازفة، أدخل تركيا في مستنقع خطير، فسلطته أضحت على المحك، ولاسيما أنه غير مكترث بفرض عقوبات اقتصادية مدمرة على بلاده، وبالمزيد من الفوضى في المنطقة.
فهل باتت نهاية المشهد السياسي لأردوغان المأزوم داخلياً، والمعزول دبلوماسياً، قاب قوسين أو أدنى، أم هناك من يستطيع أن يُنزل أردوغان من أعلى الشجرة ويجبره على التراجع عن هذا العدوان؟

الكاتب: اسماعيل خضر

قد يعجبك ايضا