عاجل

أردوغان والمغامرة غير المحسوبة

كعادته، صعّد رئيس النظام التركي، رجب طيب أردوغان، من لغة التهديد والوعيد بشن عمل عسكري وشيك على مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرقي سوريا، مع زيادة التحركات العسكرية والتعزيزات للوحدات المتمركزة على الحدود السورية الشمالية.

تهديد أنقرة المتصاعد يأتي من عدم رضى النظام التركي على الآلية الأمنية التي اقترحتها الولايات المتحدة لأنه جاء بعكس ما يشتهي أردوغان الذي يطمع في احتلال المنطقة، وإحداث تغيير ديمغرافي فيها، أي القضاء على التجربة الديمقراطية المتمثلة بالإدارة الذاتية.

وفي رد فوري، قالت قوات سوريا الديمقراطية، حليفة الولايات المتحدة ضد الإرهاب، إنها لن تتردد في تحويل أي هجوم تركي غير مبرر إلى حرب شاملة للدفاع عن منطقتها في شمال وشرقي سوريا.

تغيير ديمغرافي
إدراك المجتمع الدولي الأهداف الحقيقية للمشروع التركي، دفع أردوغان إلى الضغط على الاتحاد الأوروبي من خلال استغلال ورقة المهاجرين، فإما فتح أبواب الهجرة نحو الدول الأوروبية أو من خلال إجبارهم بدفع الأموال لقاء تواجد هؤلاء على الأراضي التركية، كما حاول أردوغان إقناع بعض زعماء العالم، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بخطة إعادة مليوني لاجئ سوري إلى الشمال السوري، لكن دون أن يتمكن من مقابلة رئيس الإدارة الأمريكية دونالد ترامب لإقناعه بنقل اللاجئين لما يسمى “المنطقة الآمنة”.

في الواقع، المشروع الأردوغاني غير قابل للتطبيق؛ بسبب الرفض الأمريكي المعلن لإنشاء هذه المنطقة، وتجاهل الحل السياسي للأزمة السورية، فضلا عن مواقف دول غربية تعتبر هذا المشروع مخالفاً للقوانين الدولية ويهدد وحدة وسيادة الأراضي السورية.

ويعتبر الكثيرون أن محاولة أردوغان هذه ليست إلا إجراء تغيير ديموغرافي في المنطقة، بحيث تصبح موالية وتابعة لتركيا.

مغامرة غير محسوبة
في الحقيقة، لا يمكن لتركيا القيام بمثل هذه العملية دون موافقة أو تنسيق مع الجانب الأمريكي، فمثل هذه العملية تكون نتائجها كارثية عليها، كونها مغامرة غير محسوبة، فتركيا لا ترغب في حدوث مواجهة مباشرة ولو غير مقصودة مع الجنود الأمريكيين الموجودين في شمال وشرق سوريا، خاصة أن واشنطن حذرت أنقرة من الإقدام على أي عمل أحادي في المنطقة.

وتسعى أنقرة لدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات كبيرة بشأن ما يسمى “المنطقة الآمنة” بحيث تكون أقرب إلى الشروط التركية، من حيث العمق والسيطرة، وهو الهدف الرئيسي من وراء هذه التهديدات، لكن يبدو أن الهدف بعيد المنال.

أردوغان والوضع المتأزم
اصرار أردوغان على تنفيذ تهديداته بشن عمل عسكري على مناطق شمال وشرقي سوريا حتى ولو خاض من أجل ذلك حربا محدودة، يأتي في إطار خلط الأوراق في المنطقة واختبار للرد الأمريكي، فأردوغان ربط مستقبله السياسي بما يسمى “المنطقة الآمنة” في إطار سياسة الهروب إلى الأمام.
أردوغان يعاني من أزمات داخلية نتيجة تراجع شعبيته وحصول الانشقاقات في حزبه وتحالفه القوي مع الحركة القومية الذي يضغط عليه لتنفيذ مخطط هذا المشروع وذلك للبقاء أطول مدة في الحكم.
وعليه فإن التهديدات بعمل عسكري تركي شمال وشرقي سوريا تأتي بغاية توجيه النظر نحو الخارج ولتغطية فشله في الداخل.
لكن السؤال الأكثر أهمية والذي يطرح نفسه. هل أدرك أردوغان أخيرا أن أي عملية أحادية الجانب ستكون مغامرة غير محسوبة العواقب، ولربما تكون آخر قشة ستقصم ظهر العدالة والتنمية وزعيمها الحالم؟

الكاتب: إسماعيل خضر

قد يعجبك ايضا