سقطات “العدالة” وأردوغان بين الداخل والخارج

كثيرة هي السقطات والنكسات التي مر ويمر بها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في الفترة الأخيرة، في ظل سياسات رئيسه رجب طيب أردوغان، الذي أعمل الإقصاء للمقربين منه قبل الخصوم، حتى بات الحزب رأساً يمثله أردوغان، على أرضية هشّة تمثل ثلّة من المغيبين عبر الخطب الشعبوية التي تستثير العاطفة القومية والدينية أحيانا كثيرة، وسط غياب شبه كامل للنخب التي تنظم الربط بين قواعد الحزب ورأسه، ليغدو العدالة والتنمية عنواناً فارغاً لا مضمون له سوى الاستبداد والانحسار الاقتصادي والتوترات في الداخل والخارج.

وتعزيزاً لخواء العدالة التنمية بشكل أكبر غرد مسؤولون كبار جدد خارج السرب، وقفزوا في اللحظة الأخيرة من سفينة متداعية ربّانها ثمل بمطامح سياسية خيالية أعمته عن ضبابية تخبطه بين موجات متلاطمة، تتقاذف سفينته المتهالكة بين قطبين أقصد هنا روسيا وأمريكا بشكل خاص، وسياسات أردوغان المتعثرة بشكل عام.

فبعد فترة وجيزة من انقسامات حادة في أركان حزب العدالة والتنمية، وانشقاق عدد من كبار المسؤولين السابقين في الحزب وعلى رأسهم الرئيس السابق عبدلله غول ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، أعلن وزيران سابقان في نظام أردوغان من أعضاء حزب العدالة والتنمية استقالتهم من الحزب، ما يزيد أردوغان وحزبه عزلة سياسية واعتزالاً حزبياً في الانتماء والتكتل والتخطيط والتنفيذ.

والوزيران السابقان المستقيلان من العدالة، هما كل من وزيري العدل والداخلية السابقين سعد الدين أرغين وبشير أتالاي، الذين رجحت مصادر أنهما سينضمان إلى وزير الاقتصاد السابق علي باباجان في الحزب الجديد الذي يعتزم تشكيله مع كل من داوود أوغلو وغول، والذين وصفهما أردوغان مع المنشقين عن حزبه بالخونة، في حالة تدل على إفلاسه السياسي وافتقاره إلى وسائل جذبه الشعبوية المعتادة، خاصة مع خلو الساحة التركية من أي حادثة يستغلها أردوغان كعادته، ليوظفها في خدمة إحكام قبضته على السلطة وإقصاء مناوئيه.

وما يزيد الطين بلة على رأس النظام في تركيا، هي الخلخلة التي أحدثها بنفسه في صفوف الجيش التركي، الذي انحدر بسحب تقارير إعلامية تصنيفه بين الجيوش، بسبب إجراءات أردوغان بحق قياداته منذ عام 2016، والتي كان من نتائج استمرارها استقالة خمسة جنرالات من كبار قادة الجيش.

وتأتي الهزات المتتالية لنظام العدالة والتنمية الحاكم في تركيا برئاسة أردوغان، متزامنة مع هزائم متتالية في الخارج لا سيما في سوريا والعراق وتركيا ومناطق أخرى، وتورطه في معظمها بدعم الإرهاب كما يحدث في ليبيا وسوريا، وفق ما أوردته العديد من التقارير الإعلامية والحقوقية واعترافات موثقة من عناصر ومتزعمي جماعات إرهابية، أشارت لها تقارير أممية ودولية كذلك.

ولكن أبرزها الهزيمة في سوريا عبر الخضوع لروسيا في المنطقة العازلة شمال غربي سوريا وتقليص نفوذ تركيا هناك عبر الضغط على الأذرع “هيئة تحرير الشام وفصائل متطرفة أخرى بعد تصفية فصائل معتدلة كثيرة” تلك الأذرع التي صنعتها لخدمة أجنداتها، لينتهي الأمربمحاصرة جنودها وقتل بعضهم هناك.

أما عن الخضوع الأكبر فهو ما يعتبره الكثير من السياسيين والخبراء العسكريين، أنه خضوع أردوغان لترتيبات ما تسمى المنطقة الآمنة شمال وشرقي سوريا، نزولاً عند رغبة واشنطن التي ظهرت أقرب من إرادة شركائها المحليين في تلك المنطقة، أكثر من قربها من النظام التركي الذي يفترض أنه من أقرب حلفائها في منطقة الشرق الأوسط بعد إسرائيل.

أخيراً يبدو أن مستقبل أردوغان السياسي وحزبه العدالة والتنمية كان ضحية مغامراته غير المحسوبة في الداخل والخارج، خاصة وأن ملفات عديدة تنتظر الكشف عنها في قادم الأيام حول ممارسات وانتهاكات حاول أردوغان إخفاءها كثيراً، لا سيما وإن شهد شاهد من أهله وإن لم يعد اليوم من أهله، إلا أن بعض الشهادات قد تسود منها وجوه، كما قال صديق الأمس وخصم اليوم الخائن بحسب أردوغان، أحمد داوود أوغلو.

الكاتب:محمد ضياء الدين التمر

قد يعجبك ايضا