حزب الشعوب.. امتحان الديمقراطية في تركيا

إذا كانت لكل ديمقراطية محاسنها وعيوبها، انطلاقا من خصوصية التجربة والقيم الاجتماعية والثقافية والفكرية، فإن الثابت هو ألا تكون هذه الديمقراطية في الموقع المضاد للحرية والإرادة والثقافة والحقوق. في التجربة العملية لممارسة الديمقراطية في تركيا، برزت تجربة صندوق الاقتراع، مدخلا للوصول إلى السلطة وممارستها، وتحقيق الانتقال السياسي في البلاد. لكن الوقائع اللاحقة للمحاولة الانقلابية الفاشلة صيف عام 2016 أثبتت أن هذا المدخل وحده غير كافٍ، كي تسير التجربة الديمقراطية في المسار الصحيح. ولعل قرار السلطات التركية أخيرا إقالة ثلاثة رؤساء بلديات من حزب الشعوب الديمقراطية، في مناطق جنوب شرق البلاد، ذات الأغلبية الكردية، يعكس هذا الواقع. صدر القرار بحجة علاقة هؤلاء بحزب العمال الكردستاني ودعم الإرهاب وترويجه، وهو ليس جديدا، إذ يأتي استكمالا لسياسة إقصاء قيادات هذا الحزب من مناصبهم، كلما فازوا في الانتخابات، برلمانية أو بلدية، فخلال مرحلة الانتخابات البلدية الماضية، وتحديدا في 11 سبتمبر/أيلول عام 2016، تم عزل رؤساء بلديات عشرين مدينة من الحزب نفسه دفعة واحدة، وتعيين أشخاصٍ بدلا منهم، في إطار سياسة الوصي التي انتهجتها الحكومة التركية، ليصل العدد الإجمالي، في نهاية العهد الماضي، إلى 95 رئيس بلدية من أصل 102، كان فاز بها أعضاء حزب الشعوب الديمقراطية.

طاول الأمر نفسه نواب حزب الشعوب في البرلمان، إذ تمت إقالة نحو عشرة نواب، في إطار تعديل القانون رقم 83، المتعلق برفع الحصانة عن النواب، وزج بعضهم في السجون، بينهم الرئيس السابق للحزب، صلاح الدين ديميرداش، والذي أطلق عليه لقب أوباما تركيا، بعد أن رشح نفسه للانتخابات الرئاسية الماضية. ولم يتوقف الأمر عند نواب ورؤساء بلديات، بل وصل إلى إغلاق عشرات المراكز المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان والثقافة والدراسات والمؤسسات الإعلامية والمرأة. والسؤال هنا: إلى أي مدى هذه الإجراءات قانونية ودستورية؟ وإلى أي مدى تنسجم مع الديمقراطية، بوصف هذه مفهوما له علاقة بالحرية والإرادة، وتمثيل خيارات المجتمع؟ ولماذا ينصبّ الاستهداف على الحركة الكردية، حتى لو كانت سلمية، وتلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية؟ وهل لهذا الاستهداف علاقة بالعقلية والأيديولوجيا القومية التركية التي نشأت عقب تأسيس الجمهورية في عام 1923؟ ما هي مخاطر استمرار هذه السياسة على التعايش التركي – الكردي مستقبلا؟

تعبّر هذه الأسئلة وغيرها عن إشكالية مزمنة في التجربة الديمقراطية في تركيا، إذ لا يعقل إلغاء نتائج العملية الانتخابية بجرّة قلم، كما أرادت السلطات ذلك. وفي الأساس، كيف يؤثر هذا القرار على التعايش الداخلي في البلاد؟ هل يؤسس مثلا لتيار سياسي كردي، يؤمن بالحلول السلمية أم يشجع على العنف؟ هل يساهم في التعايش بين الشعبين، التركي والكردي، أم يزيد من الانقسام والعداوة؟ ألا تخدم مثل هذه القرارات الجماعات المتطرّفة لدى الجانبين، عبر تغذية شعور قومي مدمر يرفض الآخر والتعايش معه؟ ألا تفتح الباب للانفجار الداخلي والتدخل الخارجي وانفتاح البلاد على مخاطر جمّة؟

المتضرر من قراراتٍ كهذه، ليس الكرد وأنصار حزب الشعوب الديمقراطية فقط، بل جميع مكونات تركيا من أحزاب وقوى سياسية وتيارات تؤمن بالديمقراطية وسيلةً للعملية السياسية والتعايش الاجتماعي. ويتناقض هذا الأمر مع سياسات الأحزاب الحاكمة التي تلجأ إلى إفراغ الديمقراطية من مفاهيمها الحقيقية، لصالح ممارسة السلطة في إطار سياسة الحزب الواحد، والرجل الواحد الذي يعتقد أنه مصدر كل السلطات، وأن على الجميع أن يشتق منه القرار.. سياسة تضع الديمقراطية، بل تركيا نفسها، في خطر محدق.

خورشيد دلي ـ كاتب وخبير في الشأن التركي ـ الكردي

 

قد يعجبك ايضا