سياسات الدول العظمى بين التوافق والتنافر

منذ أن وُجِدَتْ نزعة احتكار السلطة والثروة في المجتمع البشري ترافقت بطبيعة هذه النزعة أشكال الصراع أيضاً بين قوى الاحتكار بأشكال مختلفة، فقد كان ساخناً على شكل حروب طاحنة، أو بارداً أحياناً أخرى على شكل تنافس اقتصادي أو مناطق نفوذ لتأمين أو ترسيخ احتكاراتها. فاحتكار السلطة الذي بدأ باستعباد المرأة توسع ليشمل مجتمعاً بالكامل، ونظراً لنزعة الاحتكار التي لا تعرف الحدود، بدأ المتسلطون على مجتمع ما يحاولون توسيع احتكاراتهم إلى المجتمعات المجاورة، وهكذا بدأت الحروب بين احتكارات السلطة المتحكمة في المجتمعات المختلفة منذ العصر السومري ودويلات المدن، بالإضافة إلى الغزوات والهجرات لأسباب كثيرة.

ما يجدر ملاحظته هو أن النزاعات والتنافس حاصل بين الاحتكارات المتحكمة بالمجتمعات، وليس المجتمعات والشعوب نفسها، فالزمرة أو النخبة المحتكرة للسلطة والثروة في أي مجتمع تحاول توسيع احتكارها فتخوض النزاعات والحروب لهذه الغاية ولا شك أن المجتمعات والشعوب هي المتضررة من كل ذلك، فأبناؤهم هم الجنود ووقود حروب احتكارات السلطة والثروة، وإذا اندلعت الحروب فمنازل ومنشآت المجتمع هي التي تتعرض للدمار. هذا ما جرى في عصور الإقطاعية ثم في العصر الرأسمالي، وبقيت هذه القاعدة صحيحة سارية حتى تأسيس الدولة القومية المستمرة إلى يومنا الراهن.

مع تطور العلوم ووسائل الإنتاج تطورت أدوات ووسائل الحروب أيضاً، وكل طرف يخوض حرباً يتعرض للخسائر سواء أكان غالباً أو مغلوباً، وللبشرية دروس من تاريخ حروبها المدمرة وخاصة الحربان المدمرتان الأولى والثانية، حيث عشرات الملايين من الضحايا، ومع تطور أسلحة الدمار الشامل بات مصير البشرية مهدداً، ولهذا أصبحت الأطراف المتنازعة تتجنب الانزلاق إلى الحروب قدر الإمكان لِمَا لها من أبعاد كارثية على أهل الاحتكارات وعلى المجتمعات، ولهذا يبقى على القوى المتنافسة إمَّا أن تخوض حروباً بالوكالة وعلى نطاق ضيق تستطيع الأطراف التحكم بها كما يحدث في الشرق الأوسط حالياً، أو تمارس سياسات الشدِّ والجذبِ في حسابات استراتيجية طويلة المدى أو تكتيكية قصيرة الأمد، فتتوافق أحياناً أو تتنافر أحياناً أخرى في حساب توازنات ومعادلات معقَّدة وربما مقايضات تتقاسم بموجبها مناطق النفوذ والموارد.

 

صالح مسلم ـ مسؤول العلاقات الدبلوماسية في حزب الاتحاد الديمقراطي

قد يعجبك ايضا