إدلب.. ورقة أردوغان الخاسرة

سبق وأن أكدنا مرارا على أهمية ادلب كورقة “قوية” وأخيرة بيد تركيا، تحاول من خلالها تعديل موازين التفاوض مع الأطراف الأخرى، بهدف نيل مزيد من المكتسبات السياسية، وعلى وجه الخصوص ما يخص القضية الكردية التي ما فتئت تشكل عبر عقود من الزمن هاجسا أمنيا مؤثرا في السياسة التركية الداخلية والخارجية، لذلك نرى مدى التمسك الهستيري التركي بموضوع ادلب والتلاعب بهذه الورقة يمينا وشمالا، وكذلك بمرتزقتها والذي وصل حده النهائي، بما يخدم المصلحة التركية.
تتركز الأجندة التركية تجاه الشمال السوري حول نقطتين أساسيتين، الأولى محاولة ضرب وإجهاض تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وقطع الشريان الكردي_ الكردي الممتد ما بين شمال سوريا وجنوب تركيا، والنقطة الثانية هي تحقيق المطامع التركية _ العثمانية في تنفيذ الميثاق الملي الذي يقضي بضم أجزاء من سوريا ومن بلدان أخرى إلى تركيا بذريعة كونها أراضي تركية تاريخيا؟.
كأمر واقع تسيطر تركيا على الشريط الحدودي وداخل الأراضي السورية الممتد من شمال اللاذقية إلى عفرين وادلب جرابلس والباب، وصولا إلى حدود منبج، وتسعى جاهدة للسيطرة على باقي الشريط الممتد من منبج وتل أبيض إلى أقصى شمال شرق سوريا، تحقيقا للهدف الذي ذكرناه آنفا، لذلك هي تضغط بكل الوسائل الممكنة التي تملكها باتجاه تنفيذ ما يسمى المنطقة الآمنة، ولعل التهديدات وتصعيدها والتحشيد العسكري لاجتياح مناطق الإدارة الذاتية يندرج في إطار المناورات الابتزازية التركية لإرغام الأطراف الدولية ودفعها على القبول بفكرة المنطقة الأمنية، داخل الأراضي السورية بعمق٢٠ ميلا أيضا، في حين كان على تركيا كدولة ضامنة لمناطق خفض التصعيد، أن تطرد الفصائل الإرهابية من ادلب، إلا أنها وبدلا من ذلك دفعت جبهة النصرة إلى السيطرة على غالبية ادلب، ضاربة بعرض الحائط جميع الاتفاقيات والتفاهمات حول دور الدول الضامنة.
وفي الطرف الآخر تضغط روسيا والنظام السوري على تركيا، بقضتين الأولى عدم التزام تركيا بطرد وإنهاء تواجد الفصائل الإرهابية في إدلب وما حولها خلال المدة المتفق عليها وفقا للاتفاقيات المعلنة بينهم، ما يعطى الخلف الروسي ذريعة بشرعية التدخل العسكري في إدلب وأنهاء تواجد الفصائل الإرهابية، وهذا ما يفسر الحشود العسكرية السورية حول ادلب في اليومين الماضيين والتهديدات باجتياح ادلب، وأيضا فرض شروط لإحياء اتفاقية اضنة، أهمها الانسحاب العسكري التركي من المناطق التي تحتلها ووقف دعم الفصائل الإرهابية، ورغم تقديري بأن الهجوم على ادلب واحتياجات مستبعد حاليا “إذ أن التحشيد العسكري السوري لم يكن المرة الأولى فقد سبقه تحشيدات عسكرية عديدة وتهديدات باجتياح ادلب “مع ملاحظة أنها وإن كانت مستبعدة التنفيذ لكن ليست بصورة قاطعة، وكذلك فإن المطلب السوري بإنهاء الاحتلال العسكري التركي للأراضي السورية ووقف الدعم التركي للإرهاب هو مطلب محق ومتوافق مع مبادئ القانون الدولي، وكذلك الأزمات التركية مع العديد من الدول بما فيها أمريكا، والوضع الاقتصادي التركي الهش، يضع تركيا في ميزان التفاوض الراهن في خانة الباك، وفي موقف معقد ومرتبك، ويمكن لي القول إن السياسة التركية تجاه الوضع السوري في مأزق صعب، فلا هي قادرة على خوض غمار مغامرة عسكرية ربما تكون نتائجها كارثية على جميع الصعد. ولا هي قادرة على ممارسة مزيد من الابتزاز السياسي بورقة ادلب أو غيرها، فماذا إذن تخبئ قبعة الحاوي أردوغان من حيل حمقاء أخرى.

أكثم نعيسة – دكتور في القانون الدولي

قد يعجبك ايضا