الشمال السوري ورهاب الانسحاب

الكاتب: محمد ضياء الدين التمر

في القراءة الأولية لما ستؤول إليه الأوضاع في سوريا، بعد الانسحاب الأمريكي من هناك، خاصة مع التقارب الذي بدا واضحاً من خلال التصريحات المتبادلة بين ترامب وأردوغان، قد يظن المتابع أن ترامب يعني بالفعل ما نقل عنه في مكالمته الهاتفية مع أردوغان، بكلمة “سوريا لك”، وأن الاحتلال التركي لمناطق شمال وشرق سوريا، واقع لا مفر منه.

إلّا أنه وفي هذا السياق، هناك أمور لابد من استعراضها، بالرغم من أن ترامب يفاجئ الجميع بتغريداته التويترية، ويضرب بها كل تحليل مهما أوغل الغوص في التعاطي مع حيثيات الموضوع.
أهم تلك الأمور على الصعيد الشخصي لرجل مثل ترامب، هو أن النزعة الشخصية له تتفوق في معظم الأحيان، على أدبيات السياسة واخلاقياتها، أو حتى الالتزام الوظيفي بصفته رئيساً للولايات المتحدة، وذلك قد لمسه الجميع من خلال تعامله مع الإعلام، وخصومه السياسيين داخل أميركا وخارجها، بالخروج عن القواعد والمفاهيم البروتوكولية، في التعاطي معهم.

هذه النزعة لا يمكن بحال من الأحوال، أن تغيب عنها تداعيات الموقف المحرج، والذي يجوز لنا أن نسميه مقلب الغدر، الذي تلقاه ترامب من أردوغان، حينما نقض الاتفاق معه بشأن إطلاق سراح القس الأمريكي آندروا برانسون، مقابل إطلاق إسرائيل للمواطنة التركية، امتثالاً لطلب من ترامب، ولن أزيد على ذلك مثالاً في الأسلوب الشخصي لترامب بالتعامل مع هكذا مواقف، أكثر من المثال الذي ترجمه ترامب بقراره الانسحاب دون الرجوع إلى مشورة أحد.
من جانب آخر جميع المؤشرات تظهر امتعاضاً أمريكياً رسميا وشعبياً، من قرار الانسحاب، تجلى في استقالة بعض كبار المسؤولين وأهمهم، كوزير الدفاع ماتيس، ومبعوث واشنطن للتحالف ماكغورك، وهو ما قد يزيد في اتساع الشقة بين ترامب والفوز بولاية أخرى، تمكنه من تمديد إقامته في البيت الأبيض، سيما وأن الرئيس لم يأخذ بحسبانه، ما لقراره هذا من بالغ الأثر على إسرائيل التي تعد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، لجهة تمكين إيران من ترسيخ نفوذها المهدد للأمن الإسرئيلي في المنطقة، وذلك عبر السيطرة دون عناء على النقطة الوسط في الطريق الاستراتيجي الذي يمتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، وهو ما سيدفع إسرائيل إلى ممارسة تأثيرها عبر جماعات الضغط التابعة لها في الولايات المتحدة، والتي طالما كان لها الدور الكبير، في ترجيح كفة الفوز برئاسة أمريكا.

وكي لا نبتعد كثيراً عن مسألة التهديد التركي باحتلال المنطقة عقب الانسحاب، تدرك واشنطن أن الصفقة التركية الروسية حول تزويد تركيا بمنظومة الصواريخ الروسية إس 400، الدخيلة على أنظمة حلف الناتو ما زالت قائمة، كما تدرك تركيا أنه لا يمكن لشخص كترامب، أن يفتح لها الباب على مصراعيه لاحتلال المنطقة التي تفخر بدحر الإرهاب فيها، دون المرور على لغم قد يحول امبراطورية أردوغان الاستبدادية إلى حطام، ويستعيد نشوته في الانتقام.
وذلك ما دعاها للإعلان عن تأجيل عمليتها التي تهدد بإطلاقها، لاحتلال المنطقة، إن لم يكن إلغاءها كما أرى من وجهة نظري.
روسيا هي الأخرى ما تزال متشككة وغير واثقة في جدية الخطوة الأمريكية بالانسحاب، بانتظار أن يترجم تلك الخطوة بشكل فعلي، حتى تستطيع من جهتها القيام بما يلزم لمنع تركيا من التوغل في المنطقة التي ترى مد نفوذها إليها، حقاً انتزعته منها أمريكا.

ختاماً ما تزال القوات الأمريكية متواجدة على الأراضي السورية، ولم تسجل عملية انسحاب جندي واحد من هناك، كما أن العمليات التي تقودها بالاشتراك مع قوات سوريا الديمقراطية، ضد تنظيم داعش الإرهابي ما تزال مستمرة، كما تستمر الدوريات التي تسيرها على خطوط التماس حول مدينة منبج، وعلى الحدود التركية السورية في مناطق تل أبيض، كما أن قوات التحالف الدولي ضد داعش، -والتي تقودها واشنطن إِلى جانب دول تطمح في صدارة دور أوربي في سوريا، يجعل التسوية السورية المنتظرة، تأخذ مصالحهم في عين الاعتبار- ما تزال مستمرة في التواجد في المنطقة، وتبني قواعد جديدة وتستقدم الأسلحة والمعدات.

فإلى أن يتضح المشهد السياسي الذي زادت تغريدات ترامب من تعقيده وتشابك خيوطه، تبقى معظم التكهنات تشير إلى عودة واشنطن عن قرار الانسحاب، لكن المربك والمحير وربما المقلق، هو كيف ستكون هذه العودة، وتحت أي عذر؟

قد يعجبك ايضا